ولكنّنا لم نلبث أن ساءلنا أنفسنا، بوحيٍ من عبقريّة طفولةٍ هي الفطرة، عن حقّ أن نصوم في النهار عن تناول الطعوم، ثمّ نكافئ أنفسنا، مع حلول المساء، بموائد الترف، كأننا نتعمّد خداع أنفسنا، عندما نضاعف مآكلنا في الأمسيات، مكافأةً لنا على جوعٍ ليس زهداً أو تقوى، ولكنه صفقةٌ نتنازل بموجبها عن وجبة الإفطار في الصباح، لكي نستمتع في المساء بمائدةٍ، لا تعوّض فقط معاناتنا، ولكنها تحقق لنا صنوف طعومٍ لا نُبيحها لأنفسنا إلّا في المناسبات الجديرة بالإحتفاء، كالأعياد أو الأعراس، بدليل أننا نعمَد إلى رصد ميزانية إستثنائية من دخلنا كل عام لتمويل الإنفاق على مآدب شهر رمضان!

فهل طقسٌ مثل الصيام عن تناول الطعام تجربة تقوى، الغاية من ورائها هي انتحال الإحساس بالجوع، كي نشارك الفقراء شقوتهم؟

ننسى بالطبع أن الصوم تجربة وجوديّة، إلى جانب ماهيّتها الدينية. وأن تكون تجربة وجودية يعني أنها تجربة روحية، الجوع فيها ليس مبدأً جسدياً، ليس رهاناً حسّياً، ولكنه حلمٌ وجدانيّ، نعتنقه لكي نُحيي في أنفسنا مارداً آخر، هو الحدَس، المخوّل بأن يكون لنا دليلاً لعبور الجحيم، لتحقيق فردوسٍ مفقود، هو البعث، هو ما تسمّيه المتون المقدّسة بـ الميلاد الثاني؛ كشهادةٍ على اجتياز امتحان تغيير ما بأنفسنا، بوصفه الترخيص الوحيد المقبول كي نعبر حضيضنا الأرضيّ، لننزل ملكوت الربّ.

فالجوع عن الطعوم مجرد أسلوب، مجرد تقنية، مجرد حجّة، لاستدراج جنس من جوعٍ آخر، مستعار من طينة أخرى، هي: جوع الروح!

جوع الروح إلى ارتياد معراج البُعد المفقود، لاستعادة فردوسٍ ظلّ مفقوداً، وقدره أن يبقى مفقوداً، ما لم نفلح في التمرّد على أنفسنا، لنستبدل طينتنا، لنغيّر ما بأنفسنا، كي نحرّر أنفسنا، وهو ما لا يتحقق بدون الإستجابة إلى نداء الروح، الجائعة إلى ما هو أبعد من حاجات الجسد الفاني، الجائعة إلى الحقيقة.

إلى الحقيقة؟

جوع الجسد لن يشفي الغليل ما لم يكن قرون استشعارٍ لإيقاظ جوع الروح. وهو ما لا يتحقق بدون تربية النفس على الحرمان بفنون القمع، الصوم عن الطعوم في المعادلة مجرد مفتتح، لن يُكتب له أن يستوي ما لم يختزل العقبات، ما لم يحل ضيفاً على منازل هي،  في رحلة المعراج، بمثابة عتبات، تبدأ بالإمتناع عن استعمال عضلة ظننّاها في معاجمنا مجرد لغوٍ، ولا نكتشف أنها مستودع ٌيتكتّم على سرّ وجودنا إلّا يوم نقرر الإقلاع عن إدمان هذا الأفيون النفيس تلبيةً لنداء التحرير.

بلى! الصوم عن الطعوم لابدّ أن يرتقي عتبةً أخرى في سُلّم الخلاص، فيتنكّر لنشاط عضلة اللسان. فالصمت أول درس في مدرسة الخلاص، أو بالأصحّ، في مدرسة القصاص. لأن أيّ خلاصٍ يمكن أن نرتجيه من عالمٍ غاب فيه القصاص؟

فالحملة يجب أن تعيد النظر في هوية الجوع أيضاً ما أن نشرع في ارتقاء عتبات السلّم. فلا يكفي أن نجوع في النهار لكي نكافئ أنفسنا بمآدب الترف في المساء، ولكن الجوع يستعير عُرفاً آخر، أقسى نهجاً، يتمّ فيه استبدال الطعام بالمياه، ليتواصل الصوم عن تناول الأغذية أياماً، مع الإكتفاء بتناول تعويذةٍ نستهين بها، وننسى أننا ملفّقون من طينتها: الماء!

الماء زاد جَوْعَى الروح، قبل أن يستجيروا بتلابيب الصمت ليُنجدَهم من طغيان الهوى.

فالصمود في إماتة الحسّ، بطولةٌ لا تكفي لارتقاء عتبات الحرية، لأن قطع اللسان، بالصوم عن الكلام، تدخّلٌ جراحيّ دمويّ حقّاً، ولكنه لا يتوَّج بأكاليل الغار بدون الصوم عن ما اعتمدناه في دنيانا كرأسمال وجود، وهو: العلاقة!

فالصوم لم يكن ليستعير بُعداً دينياً، عالمياً، سابقاً على ديانات التوحيد، لو لم يكن تعبيراً عن موقف زهدي، لن يقنع بالهوية الحرفيّة، ما لم ينل اعترافنا به كمغامرة روحيّة، أدمنها الأنبياء، وكانت لُقية في سيرة كل مريد حقيقة في هذا العالم، وقطع شرايين الحضور في المجتمع، هو الضمان الأخير في تجربة التنصّل من أشراك تلك العلاقة، التي اعتادت أن تسرقنا من أنفسنا، عندما تستدرجنا إلى الواقع الدنيوي، الموبوء بفنون اللّهو، المبلبل بصنوف الإغواء، فتصادرنا من أنفسنا، فنحيا وجودنا في حمّى غيبوبة لا نفيق من خدرها إلّا بعد فوات الأوان.

فالصوم رسولٌ ينبّهنا إلى مسئوليّتنا في إنقاذ أنفسنا، لكي نحرّر إرادتنا، فنمارس حريّتنا، ليحقّ لنا أن نتباهى يوماً بأننا تمرّدنا على روح القطيع فينا، فحفرنا لنستخرج من الخندق المقدّس الذي يسكننا، اللقية التي كشفت لنا الحقيقة، التي اغتربنا عنها باحترافنا باطل أباطيلٍ، مفروضٍ في واقعنا بحكم اعتناقنا لمنطق قطيعٍ لا يعترف بغير الحسّ معبوداً.

فالصوم موقفٌ معادٍ لمنطق الحسّ. وهو لن يحقّق، في نزاله مع هذا البعبع، نصراً، ما لم يستوعب درس بقيّة العتبات، بالكفّ عن نزعة المكافأة، نزعة التعويض، نزعة الإرتماء في أحضان رذيلة الإشباع، الإشباع في مرتبة مرضية مخجلة ، كانت دوماً رديفاً للكفر، هي التخمة. وهو ما لن يفلح في تحطيم قضبان حصن الحسّ، بدون الإستعانة بالصوم عن الكلم، بالامتناع عن اللغو، بقمع الشهوة إلى القول، لأن استدعاء الحدَس، كي يتولّى زمام الأمر، في بحثنا عن أنفسنا، في مجاهل أنفسنا، لا يتحقّق بدون لجم اللسان، ليهيمن على الوجود الصمت. لأن الروح لا تبوح بسرّها، وتهمس بكلمتها، إلّا في حضرة الحرم، المسكون بالصمت. والدليل؟ الدليل نستطيع أن نقرأه في موقفنا من حضور إنسانٍ تحجّب بالصمت في واقعنا. نحن نستشعر في أعطافه حضور السلام، حضور القداسة، حضور سكينةٍ أضعناها، فيجود بها علينا بالمجّان، فلا نملك إلّا أن نتقبّل العدوى، نتلقّى الهبة الإلهيّة لنتخيّل القربان الجسيم المدفوع في حرف هذه العطيّة القدسيّة، التي لم تكن مجرد احترافٍ للصّمت، ولكنها كانت إدماناً لانقطاعٍ صار في حياة ذلك النموذج أفيوناً، متمنطقاً بهالة المحال، مسربلاً بوسام تضحيةٍ أخرى، إلى جانب قطع اللسان، هي قطع الصّلة بما اعتدناه قدس أقداس، مترجماً في حرف باسم: الخلق! فالإستغناء عن الحضور في واقع العلاقة، هو شرطٌ وحيد لتحقيق الحرية، شرط أبعد منالاً في سبيل استعادة السعادة، في سبيل بلوغ حرم القداسة، حيث تنتظرنا مأدبة من جنسٍ آخر، الطعوم فيها مرويّة بنزيف الروح، والفاكهة على مائدتها ليست طينةً معجونةً من أسباب البدن الفاني، ولكنّها غنيمة مجبولة بترياق الحقيقة، ولفيف مستضيفينا في هذه الرحاب هُم محفل أنبياء، وأولياء، وأئمّة حكمة!

فصيام الخلاص ليس نزهة محدّدة بمهلة شهرٍ، ولكنه معراجٌ أخلاقيّ يتواصل في رحلة عمرٍ. وهو لا يكون تجربة بعثٍ للروح، من عدمٍ كالجسد، ما لم يتحوّل مادّة لعادةٍ، تسري في مسلكنا، طبيعةً ثانيةً.

ملاحظة:

لقب «صائم الدهر» شائع في ثقافة شمال إفريقيا؛ وهو صفة ملازمة لتلك الفئة من الأسلاف التي تسكن أضرحةً مهيبةً، ملفّقةً في كياناتٍ ناصعة، تنتشر عبر كل الصحراء الكبرى، مستعيرةً إسماً لا يقلّ مهابةً هو: الأولياء. أولئك الأولياء الذين صاروا نواة في تأسيس امبراطورية المرابطين، أو الملثّمين، التي هيمنت في العصور الوسطى على كل إفريقيا، وتحدّدت لتبسط سلطانها على إسبانيا والبرتغال، فحقّ لعقلٍ أوروبّي مرجعيٍّ في مقام بلزاك أن يجاهر بحقيقةٍ تقول: «كلّ مجد إسبانيا، من صنع بربر شمال إفريقيا».

والأولياء هم: أهل الرباط. أي أنهم مريدو زهدٍ، طلّقوا الدنيا، واختاروا الإستجارة بتلابيب «الزاوية». وهي مفهومٌ مستعارٌ حرفيّاً من الركون إلى: الركن، في أيّ كيان عمران، لتستعير مدن كثيرة في شمال إفريقيا كلٌّ من إسم: الرباط، ثمّ الزاوية، تيمّناً بالمفهوم المجازي، الدالّ في هاتين الكلمتين على التخلّي عن حُطام الدنيا، والتزام الفرجة من موقع الحياد، كما يليق بكل مَن قرّر أن يحترف التجلّي، لاستجلاء حقيقةٍ تغترب في حرف الواقع، ولكن لا يعدم أن تُستعاد بتقنيات الخلوة، ليكتسب هذا المصطلح مدلولاً أبعد منالاً من معناه الشائع في اللسان المتداول، لأنها أضحت قريناً للحضور في البُعد المفقود، المعبّر عنه في منطق أهل التصوّف، بالحضور في الحضرة، والحضرة بالطبع تعبيرٌ مجازيّ للتدليل على الألوهة. وكثيراً ما يطلق على حفلات الوَجد، من قِبل الطرق الصوفيّة، كممارسة استسرارية وجدانية غنائيّة، لتجديد عهد الحضور «الأسبوعي» في معراج الروح، حرصاً على إبقاء الصلة بجوهر الوجود  كشعلة الجندي المجهول. وعرّابو هذه الزوايا، أو صنوف الرباط، هم أئمّة الطرق الذين احترفوا صيام العمر، المعادي لصيام العامّة، الذي يمارَس كمجرّد عادةٍ موروثةٍ، ما لبثت أن تحوّلت ضرباً من ترفٍ، يتسابق فيه أهل الحرف لإثراء موائد الإفطار بأجناس الأطعمة، كأنهم يلتئمون  كل مساء، للإحتفاء بمناسبة زفاف، تعويضاً لأنفسهم على فعلٍ هو، في يقين أهل التقوى، مجرّد واجب، تنازل صغير، تضحية متواضعة لسداد دَين، دَيْنٌ هو شهادة على انتماءٍ لدِينٍ، ولكن المرفّهين المستكبرين يأبون إلّا أن يسوّقوها كمزيّة، بل كبطولة، فتتحول، بهذا التجديف، إثماً.

ولكن يجب الإعتراف بحقيقة الزاوية، التي لم تولد مع المعتقدات الزهدية، المستعارة من الديانات التوحيدية، ولكنها تنتمي إلى زمن الديانات الطبيعية. وها هو أبيقور يتغنّى بوجوب التشبّث بالظلّ في مغامرتنا الدنيوية، ليتبنّاها من بعده إمام الرواقيين «سينيكا»، لتغدو ركناً في فلسفة التخلّي، في واقعٍ يبقى فيه الصيام عن الطعوم، وعن كل اللذّات الحسيّة، أفيون وجود.

والمثير أن تجد هذه النزعة الصيامية طريقها إلى الإبداع السردي العالمي أيضاً، فيعتنقها أعظم فرسان هذا المذهب، وهو: دوستويفسكي، الذي تتحوّل في نماذجه المرجعيّة تعويذةً، مترجمةً في حرف الإحتكام إلى الركن، إلى الزاوية، لتحديد الموقف في العلاقة مع العالم. فكما الصيام رهين اعتزال الطعام، كذلك النجاح في أيّ مشروع رسالي رهين اعتزال الأنام.

فمعتنقو «صيام الدهر» أمّة على دين أبي ذرّ الغفاري، لا تقنع بالصوم عن الطعوم، أو عن بقيّة اللذّات، ولكنها تعتزل في زوايا الواقع الدنيوي، لتمارس صلاة الصوم عن كلّ ما متّ بصلةٍ لإغواء الواقع الحرفيّ، لأنّه قربانٌ متواضع في سبيل استعادة الفردوس الضائع، الذي لم يكن يوماً سوى: الحرية! حرية الأبعاد القصوى، التي لا تتحقّق بدون الصيام عن أهواء كثيرة أخرى، وبدون الاغتراب عن واقع الحرف الذي يُميت، في سبيل تحرير الذخيرة التي تسكننا، لتتحوّل روحاً تُحيينا.

آهل شمال إفريقيا يتمسّحون بأضرحة أولياء صيام الدهر تيمّناً بكراماتهم، التي لم تكن لتغدو بطولات روحيّة لولا إدمان الصيام، تماماً كما اعتاد أسلافهم أن يتمسّحوا بأعتاب أضرحة أسلاف الأسلاف، كما يروي هيرودوت، استجداءً للنبوءة، ممّا استنزل في مقام الضريح مفهوماً قدسيّاً أعظم شأناً من مجرد قبر، ليصير، في مرحلة مّا، معبداً حقيقياً، لعب دور البطولة في استعارة هويّة الوتد، الذي تحلّقت حوله القبيلة المهاجرة، ليصير نواة المربط الأجَلّ، ليصير الرباط، الذي استقام في كيانٍ عمرانيّ باسم الواحة، لترثه الأجيال في صيغة مدنٍ، وبالتالي، في بعبعٍ مهيب باسم الدولة.

فالتضحية المُستهلّة باعتناق الصوم، لا تحقّق الخلاص ما لم تتوَّج بانضباطٍ يدمن أفيون الرباط. الرباط استطاع أن يستقيم بفضل العقليّة الصحراوية، التي تعتمد أسلوب الحدود القصوى، في ظاهرة مجيدة، تجود بها علينا، تجربة أمّة الملثّمين في العصور الوسطى، التي قرأناها في سيرة «المرابطين»، الذين شيّدوا إمبراطورية كبرى، بهذه التعويذة السحريّة، هيمنت على شمال ووسط وغرب إفريقيا، وتمدّدت شمالاً، لتبسط نفوذها على كل جنوب القارّة الأوروبيّة، أي أيبيريا والبرتغال وتخوم فرنسا، لتلعب دور البطولة في تلقين الواقع الأوروبي رسالة «الرباط»، التي تبنّاها مريدو الحقيقة، المتمرّدون على روح القطيع، مترجمةً في احتراف تلك النزعة الزهدية، التي استجارت بتلابيب عزلةٍ عصيّة، كانت دوماً رهاناً في دين «الرباط»، فألهَمَتْ مٌصلحاً حكيماً في مقام مارتن لوثر حجّته التحريريّة، التي لم تلبث أن استقامت في ثورة دينيّة  إصلاحيّة، تُوّجت بانتصار البروتستانتيّة، التي يرجع لها الفضل في قيام عهدٍ كان بعثاً من اغترابٍ وجيع، هو: النهضة الأوروبيّة.

وهو ما يعني أن تجربة روحيّة كالصيام عن تناول الطعوم لا تبقى مجرد ممارسة طقسية، أو شعيرة دينية، ولا تتحوّل صلاةً، عبادةً تحترف الحقيقة ديناً، ما لم تنقلب إحراماً يتطلّع لإحداث تغييرتغيير ما بالنفس، الجدير بتحقيق معجزة تحرير. لأن تجربة النبوّة برهنت أن تغيير ما بالعالم، رهين عتبة تطهيريّة، هي كلمة السرّ في إبجدية الحريّة، وهي: تغيير ما بالنفس؛ لأن الحقيقة هي ما يسكننا، أمّا العالم، في المعادلة، فهو مجرّد ظلّ للذخيرة التي نختزنها.